الشيخ محمد الصادقي

22

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

لأنها كلها مكتوبة متطائرة دون إبقاء ! علّ الفارق بينهما أن « ما قدموا » هي الأعمال المنقطعة بعد ما عملت مهما سجّلت ، إذ لا يبقى لها أثر يتّبع ، وأما « آثارهم » فهي الباقية بعد ما عملت من سنة حسنة أو سيئة تتّبع وكما يروى عن الرسول ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) « 1 » وذلك كعلم ينتفع به أو يضر ، وبناء مسجد أو مفسقة ، وولد خلف أو متخلف ، أمّاذا ومن ؟ من أثر خير أو شر يتّبع ، فإنه مكتوب قدر ما يتبع ، كما أن ما قدموا يكتب كما قدّم ، بل وآثارهم في وجه هي مما قدّمت ، وإنما أفردت بالذكر بعد « ما قدموا » تنبيها أنها تحسب بحساب صاحب الآثار مهما انقطع العمل ، لأنه من عواملها إذ سنّها وعبّد طريقها . وقد تشبه الآية « يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ » ( 75 : 13 ) ف « ما قدم » هو ما قدموا ، وما « أخر » هو آثارهم . وقد تعم « آثارهم » الأنفسية منها بجنب الآفاقية ، فقد يعمل خيرا أو شرا منقطع الأثر نفسيا وخارجيا ، وأخرى له أثر في نفسه نتيجة الإصرار والتكرار ، فيصبح ملكة بعد ما كان حالا وعملا ، وثالثة له أثر خارجي لا نفسي كملكة ، ورابعة له الأثران ، ف « آثارهم » قد تعم الثلاثة الأخيرة مهما اختلفت درجاتها أو دركاتها ، فإنها مشتركة في بقاء آثار للأعمال بعد انقطاعها ، ومثالا للأثر النفسي خيرا « أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ » ( 58 : 32 ) وآخر لها شرا « بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ »

--> ( 1 ) . الدر المنثور 5 : 260 - اخرج ابن أبي حاتم عن جرير بن عبد اللّه البجلي قال قال رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) من سن سنة حسنة فله أجرها واجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم ومن سن سنة سيئة كان عليها وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص من أوزارهم شيء ثم تلا هذه الآية « وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ » .